محمد بن جعفر الكتاني
151
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس
وكان يبالغ مع بعض أشياخه المذكورين في تحقيق مسائل الحديث ، وكانوا يراجعونه فيه في مجالس درسهم . ومما يحكى ويدل على قوة باعه وشدة اطلاعه : أن الشيخ أبا العباس ابن مبارك المذكور ، كان يدرس كبرى السنوسي في علم الكلام ، فجرى ذكره لبعض الأحاديث ؛ فسأل صاحب الترجمة عمن خرجه ، فذكر له ستة طرق ؛ فقال له : « للّه درك ؛ لقد تعب ابن حجر ولم يخرج له سوى طريقين ! » . وفي " الدر النفيس " لسيدي الوليد العراقي نقلا عن الشيخ أبي حفص سيدي عمر الفاسي - رضي اللّه عنه - أنه كان يقول لتلامذته في شأنه : « هذا سيدي وسيدكم » ، ويقول أيضا : « إنه أحفظ من ابن حجر » . كذا نقل عنه . وقد ذكروا في الحافظ ابن حجر أنه أمير المؤمنين في الحديث ، وأنه سيد حفاظه ، وأنه جاوز فيه مرتبة الذهبي وأضرابه ، وأنه بلغ فيه مرتبة لم يبلغها أحد بعده ولا كثير ممن قبله ، وأن عليه المدار فيه في الدنيا بأجمعها ، وإليه المرجع فيه شرقا وغربا بإطباق من بعده ، ومن طالع كتبه الحديثية وكتب غيره ؛ علم صحة هذا وتيقنه . وقد كتب الشيخ القصار بخط يده عل أول ورقة من شرحه على البخاري المسمى بفتح الباري ما نصه : « اعلم أنه لم يؤلف في فقه معاني علم الحديث مثل هذا الشرح في ملة الإسلام ! ! » . ه . وذكر الشهاب الخفاجي في شرحه على " الشفا " لعياض أن : « الحافظ بالمعنى المصطلح عليه عند المحدثين انقطع في عصره وزمانه ، وأن آخر الحفاظ : السخاوي والسيوطي . . . » . فانظر ذلك واللّه أعلم . وممن شهد لصاحب الترجمة بالتبحر في علم الحديث من شيوخه : الشيخ أبو عبد اللّه سيدي محمد جسوس ؛ فإنه ذكر في إجازة له أجازه بها أنه : « ممن حاز قصب السبق في علم الحديث ، حفظا ورواية ودراية ، ووصل في ذلك إلى غاية الغاية . قال : بحيث لم يصل إليها أحد من عصرنا فيما نعلم » . ه . وقد حرر - رحمه اللّه - الكلام على كثير من الأحاديث ، وبين ما هو الحق فيها بكلام كاف واضح شاف ، فاللّه يجازيه على ذلك . قال في " نشر المثاني " : « ولم يكن له في حال قراءته اعتناء ببعض العلوم ، نحو النحو والبيان والمنطق ، ومع ذلك ؛ كان إذا سرد كتابا لا يلحن في شيء منه ، بل فصيح النطق ، قوي الدراية على ذلك ، ولا ينطق بشيء غير مستقيم » . ه . وكان - رحمه اللّه - مقبلا على شأنه ، مجتنبا ما يخل بمروءته ، ذا سمت حسن ، وهيئة ووقار ، قويا في دينه ، ملازما لأوقاته ، قائما بما ولي من الولايات ، من إمامة وتوريق وغيرهما .